ابن خلدون
354
رحلة ابن خلدون
وولي الدوادارية له ، وكان يؤمل الاستبداد كما كان أستاذه يلبغا ، فكان يحتال في ذلك بجمع هؤلاء المماليك اليلبغاوية من حيث سقطوا ، يريد بذلك اجتماعهم عصبة له على هواه ، ويغري السّلطان بها شفاها ورسالة ، إلى أن اجتمع أكثرهم بباب السّلطان الأشرف ، وجعلهم في خدمة ابنه عليّ وليّ عهده . « 1627 » فما كثروا ، وأخذتهم أريحية العزّ بعصبيتهم ، صاروا يشتطّون على السّلطان في المطالب ، ويعتزّون بعصبية اليلبغاوية . واعتزم السّلطان الأشرف عام سبعة وسبعين على قضاء الفرض ، فخرج لذلك خروجا فخما ، واستناب ابنه عليّا على قلعته وملكه في كفالة قرطاي « 1628 » من أكابر اليلبغاوية ، وأخرج معه الخليفة والقضاة . فلما بلغ العقبة « 1629 » اشتطّ المماليك في طلب جرايتهم من العلوفة والزاد ، واشتطّ الذين بمصر كذلك في طلب أرزاقهم من المتولّين للجباية . وصار الذين مع السّلطان إلى المكاشفة في ذلك بالأقوال والأفعال ، وطشتمر الدوادار يغضي عنهم ، يحسب وقت استبداده قد أزف ، إلى أن راغمهم السّلطان بالزجر ، فركبوا عليه هنالك ، وركب من خيامه مع لفيف من خاصّته ، فنضحوه بالنّبل ، ورجع إلى خيامه ، ثم ركب الهجن مساء ، وسار فصبّح القاهرة ، وعرّس هو ولفيفه بقبّة النصر . وكان قرطاي كافل ابنه علي المنصور حدث بينه وبين ناظر الخاص المقسي مكالمة عند مغيب السّلطان أحقدته . وجاشت بما كان في نفسه ، فأغرى عليّا المنصور بن السّلطان بالتوثّب على الملك ، فارتاح لذلك وأجابه ، وأصبح يوم ثورة المماليك بالعقبة ، وقد جلس عليّا مكفوله بباب الإسطبل ، وعقد له الراية بالنداء على جلوسه
--> ( 1627 ) انظر تفصيلا أوسع في العبر 5 / 462 . ( 1628 ) قرطاي ( أو قراطاي ) بن عبد الله المعزي الأشرفي سيف الدين ، رفيق أينبك ، وصهره ، وكان من أصاغر الأمراء في دولة الأشرف شعبان بن حسين ، ولكنه أصبح في أيام ولده عليّ أمير مئة ، ثم مقدم ألف . واختلف مع صديقه أينبك ، فحبسه إلى أن مات سنة 779 . « المنهل » 2 / 199 ب ( نسخة نور عثمانية ) . وانظر العبر 5 / 463 - 467 . ( 1629 ) Aqaba عرضها الشمالي 24 ، وطولها الشرقي 46 ، وطولها الشرقي 46 . وموقعها في النهاية الشرقية الشمالية لخليج العقبة .